تغريدات MVR

أطفال مبتعثي بريطانيا في خطر

2015-11-10 13:47:05

سيتذكر جيداً المبتعثون في بريطانيا عامَ 2015 بأنه عام شيَّعوا فيه جنازة المراكز التعليمية (المدارس السعودية سابقاً)، والتي قضت نحبها بعد قرار الملحقية الثقافية في لندن بإلغائها. لا يهمني تتبع مبررات هذا القرار الجائر، إذ عدم إدراك أهمية هذه المراكز بحد ذاته لهو مصيبة، فضلاً عن إغلاقها. إن كانت الملحقية الثقافية في بريطانيا ـ والتي ينضوي تحت رعايتها عشرين ألفاً ويزيدون من المبتعثين وأسرهم ـ لا تستطيع إدارياً التعامل مع هذه المراكز وتطوير أدائها وتذليل العقبات أمامها.. فلا يعني أنها تملك الحق في منع أبنائنا من تعلم القرآن الكريم واللغة العربية في بيئات تعليمية قامت على سواعد متطوعين سعوديين وسعوديات منذ عقود. لكل مشكلة حل، وليس الحل في الإلغاء.

صُدمنا معاشر الآباء، ومن غير سابق إشعار، بأن هذا العام لن ترعى الملحقية الثقافية المراكز التعليمية والتي تتوزع في مدن عدة على طول المملكة المتحدة وعرضها، حاصرةً الدراسة على الفصول الافتراضية (التعليم عن بعد) للمرحلتين الثانوية والمتوسطة، وأما المرحلة الابتدائية فلا بواكي لهم، لا فصولٌ حقيقية ولا افتراضية! لا أعلم كيف اقتنعت الملحقية بأن الفصول الافتراضية هي الخيار الأنسب لأبناء المبتعثين ـ والذي تتجاذبهم وسائط التقنية الاحترافية بكل مغرياتها من كل اتجاه وتزاحم أوقاتهم في ظل انشغالهم بالمدارس البريطانية، فعوضاً عن إرسالهم لتعلم المبادئ العامة في العربية والقيم الإسلامية ليوم واحد في الأسبوع.. رأت الملحقية أن الفصول الافتراضية هي الأفضل لأبنائنا، لمن أعمارهم في المرحلتين المتوسطة والثانوية، وأنا هنا أتساءل: هل قرار كهذا تم بناءه على دراسة تربوية شاملة؟ إن كان بنعم، فلم يصلنا شيء من هذه الدراسة حتى نقتنع، وإن كان لا، فعلى من تقع اللائمة إن فشلت الفصول الافتراضية ولم تحقق أهدافها التعليمية والتربوية؟

ألم يكفنا ـ نحن المبتعثين ـ همّاً فوق همّ الغربة والدراسة ورعاية أطفالنا وغلاء المعيشة، حتى تفاجئنا الملحقيةُ بحرمان أبنائنا في المرحلة الابتدائية من التعلم في اليوم (اليتيم) لشيء من لغتهم العربية، وثقافتهم، وربطهم بوطنهم الأم؟ هل يُدرك موظفو الملحقية وعلى رأسهم سعادة الملحق الثقافي كم يعاني الآباء الذي يدفعون من مصروفهم الشهري مبالغ للحضانة والسكن والمعيشة.. ليدفعوا أيضاً في مدارس خاصة في إجازة نهاية الأسبوع يُعلّمون أبنائهم قصار سور القرآن وكيف يتحدثون ويكتبون بالعربية؟ بعد أن كانت متاحة بالمجان.. ها هم الآن يُثقلون كواهلهم بمصاريف أخرى!

ألم يكن جديراً بالملحقية الثقافية أن تطلق مشروع الفصول الافتراضية بالتدرج، وأن يكون (مكملاً) ومتمماً للمراكز التعليمية لا بديلاً عنها؟ ألم يكن بوسع الملحقية أن تقدم نسخاً تجريبية من البرنامج وتعرضه على أولياء الأمور لمعرفة جوانبه التحصيلية والمهارية؟ ثم ماذا عن أبنائنا في المرحلة الابتدائية.. والذين اختلطت ألسنتهم بالعُجمة، وغابت عنهم سياقات اللغة العربية وتطبيقاتها؟ الآن فلتهنأ الملحقية بقرارها المستعجل، وهي ترى أطفالنا الصغار لا يعرفون كتابة حتى أسمائهم بالعربية!

المبتعثون والمبتعثات لم يتركوا وطنهم إلا لتلبية متطلباتهم الوظيفية، والتي منها التأهل الأكاديمي بالدرجات العلمية، فهم إذن في مهمة وطنية لها خصوصيتها وأهميتها، ولا يُعقل أن يُدفع بهم إلى الخارج دون توفير الرعاية التربوية لأبنائهم، خاصة أن بعضهم وُلد في الخارج، ولم يحتك بالثقافة السعودية إلا لِماما، فكانت المراكز التعليمية في بريطانيا تغطي (جانباً) من هذه الرعاية، وذلك في كونها محضناً تربوياً ووطنياً يلتقي فيه أبناء الجالية السعودية في كل أسبوع مرة، حتى إذا ما عاد المبتعث بعد سنوات من الانقطاع إذ بأبنائه يملكون المقدار الأساسي من اللغة العربية والعلوم الإسلامية والثقافة المحلية، فتخف عنهم صدمة (العودة) ويسهل عليهم اللحاق بزملائهم في صفوف الدراسة في السعودية. إذن هذه المراكز كانت تضطلع بدور اجتماعي أيضاً، ولكن الآن مع مشروع الفصول الافتراضية تزداد العزلة (فوق عزلتهم أساساً)، ويتقلص احتكاكهم بأبناء وطنهم، وهم في سن الزهور ومقتبل العمر.

أعترفُ بأن يوماً واحداً في الأسبوع غيرُ كافي لتقويم ألسنة أبنائنا، وتغذية أفئدتهم بمفاهيم الإسلام، وأننا كآباء وأمهات نبذل سبلاً إضافية للحفاظ على هوية أبنائنا، ومع ذلك، فقد كانت المراكز التعليمية هي قطعة الخشب التي نتشبث بها في محيط الغربة، لتقوم الملحقية مشكورة في انتزاعها من بين أيدينا! إن كانت الملحقية الثقافية في لندن قد أعيتها متابعة المراكز التعليمية والإشراف عليها، فلتُحال هذه المراكز إلى جهة حكومية أخرى تشرف عليها وتوليها رعايتها. إن الملحقية وبقرارها هذا تتحمل تباعات سلبية ستطال أبنائنا خاصة من هم في المرحلة الابتدائية.

إنني أضم صوتي إلى صوت زملائي المبتعثين والمبتعثات في بريطانيا الذين ناشدوا معالي وزير التعليم في التكرم بإعادة النظر في هذا القرار، وأن تولي الوزارة عنايتها المباشرة بالمراكز التعليمية، وأن تبعثها من جديد، لنحافظ سوياً على شعلة الهوية الدينية والعربية في قلوب أطفالنا.. حتى لا تنطفئ.

المصدر: المسار أونلاين





الرابط المختصر :

اضافة تعليق