تغريدات MVR

تعلم اللغات يغير طريقة التفكير وفهمنا للحياة

2016-10-20 22:01:36

كلما عادت بي الذاكرة  لبداية مرحلة ابتعاثي إلى جامعة سدني الأسترالية أتذكر جملة لطالما رددها أكثر معلمي اللغة الإنجليزية تأثيرا في حياتي المدرس الأسترالي لوك. لازالت بعض الكلمات الإنجليزية عالقة في ذاكرتي إلى اليوم ومرتبطة بصورته و حركات المضحكة وأسلوبه الممتع في التعليم . كان يشجعنا على تعلم اللغات الأجنبية باستمرار ليس اللغة الإنجليزية فحسب بل كل اللغات وكانت عبارته المشهورة ( أتمنى أن أتعلم كل يوم لغة جديدة حتى أرى العالم بشكل مختلف). في كل مرة كنت أسمع تلك الجملة يخطر ببالي أنه يقصد أنه يريد أن يفهم الثقافات المختلفة للشعوب الأخرى.

 اليوم وبعد عدة سنوات وجدت أن المعنى أعمق بكثير مما كنت أظن. فبحسب نظرية النسبية اللغوية فإن نظرة البشر للحياة تختلف باختلاف اللغات التي يستخدمونها لأنهم يفهمون الأحداث ويفكرون بها بشكل يتوافق مع الخبرات السابقة التي تم تصنيفها في عقولهم بمساعدة تلك اللغة. وهناك الكثير من التجارب التي أثبتت صحة هذه النظرية فشعب الهيمبا في دولة ناميبيا على سبيل المثال يستخدمون كلمة واحدة فقط لوصف اللونين الازرق والأخضر وهذا جعل أفراد هذا الشعب لا يملكون القدرة على التمييز بين هذين اللونين وهذا يدل على أن اللغة المستخدمة أثرت على قدراتهم العقلية في تمييز الألوان.

هذه النتائج تفتح الباب لتساؤل مهم وهو: هل يمكن لأفراد هذا الشعب أن يطوروا من قدراتهم الإدراكية بتعلم لغة أخرى أكثر دقة في وصف الألوان؟

يجيبنا على هذا التساؤل دراسة سويسرية أجراها باحثون عام 2012 أثبتت أن  تعلم اللغات أجنبية في مرحلة متقدمة من العمر يزيد من سماكة قشرة الدماغ وهي المنطقة الي تجري فيها معظم العمليات الإدراكية كالتفكير والوعي والذاكرة والتعلم. وهذا بدوره يحسن من وظائف الذاكرة وعملية التفكير والتحليل حيث يبدأ عندها الدماغ ببناء شبكات عصبية جديدة تربط بين الخلايا العصبية لم تكن موجودة قبل تعلم اللغة. وهذا يشبه تأثير تعلم مهارات حركية جديدة بدقة عالية كالرقص أو أحد الرياضات البدنية. 

أما علماء الأعصاب اليوم فيؤكدون بأن هناك نشاط عصبي مختلف يظهر في الدماغ بعد تعلم لغة أخرى. يعود ذلك لأن الدماغ من أكثر الأعضاء مرونة في الجسم فتركيبه ووظائفه تتغير باستمرار عند تعلم مهارة جديدة. وقد حصل الباحثون في جامعة (Lund) السويدية على نتائج أكثر غرابة بعد أن قاموا بدراسة الدماغ لمجموعة من الأفراد قسموا إلى ثلاث مجموعات. طلب من كل مجموعة الإلتحاق بدورة تعليمية واحدة من ضمن ثلاث مجالات مختلفة هي الطب والعلوم واللغات الأجنبية. وقاموا بتصوير الدماغ قبل بداية الدورة وبعد انتهائهم منها وبعد إجراء المقارنات كانت النتائج صادمة حيث وجدوا أن هناك تغير ملحوظ في بعض مناطق الدماغ لدى الأشخاص الذين تعلموا اللغات الأجنبية فقط لكن هذا التغير لم يظهر لدى من تعلموا الطب والعلوم. رغم هذه النتائج لم يتمكن فريق الباحثين من معرفة الأسباب الحقيقة وراء ذلك.

توجد هذه الإختلافات أيضا عند فئة من الناس يطلق عليهم (hyperpolygots) وهو مصطلح يصف من يتحدثون أكثر من ست لغات بطلاقة. حيث أن أدمغتهم تعمل بطريقة مختلفة فما الذي جعلهم مختلفين ؟ يقول مايكل إيرارد الذي كان مهتما بالبحث عن هذه الفئة من الناس ودراسة حالاتهم (هذه الموهبة لا تولد ولا تصنع بل تولد لكي تصنع). وهي عبارة عن جينات توهب لعينة محظوظة من البشر لكنها لاتبرز إلا بعد الإهتمام بها وصقلها وهذا يعني أنهم كرسوا حياتهم لتعلم اللغات ولم يكتسبوها من البيئة المحيطة فقط.

أشهر شخص عرف بهذه الموهبة هو إيميل كريبس الدبلوماس الألماني الذي عاش في القرن التاسع عشر حيث مات وهو يتحدث 65 لغة.  وبعد أن قام العلماء بتشريح دماغه عام 2004 للتأكد من ما إذا كانت هذه المهارة مرتبطة بتركيب مختلف للدماغ أم لا وجدوا أن هناك اختلاف في منطقة مسؤولة عن اللغة في الدماغ وتسمى (Broca's area) فهي أكبر من الحجم الطبيعي. لكن السؤال الذي لم يجيبوا عليه إلى الآن هو هل ولد هذا الإختلاف بولادته أم أنه تطور بعد تعلمه للغات ؟

بل إن اللغة التي تتحدثها تؤثر على قدرة تذكرك للأشياء وهذا ما ذكره الروائي الشهير فلاديمير نابوكوف الذي يتحدث ثلاث لغات هي الإنجليزية والفرنسية والروسية. حيث أنه عندما ألف روايته المعروفة (الذكريات الثلاث) بدأ نسخته الأولى باللغة الإنجليزية وعندما فرغ منها طلب منه إصدار نسخة جديدة باللغة الروسية وأثناء قيامه بذلك وجد أنه قد تذكر أحداث وتفاصيل كثيرة لم يذكرها في الرواية الإنجليزية وهذا أثار استغرابه في قدرته على تذكر الأحداث بشكل أفضل عندما كتبها بالروسية. اتفق ذلك مع دراسة أخرى لمقارنة قدرة الإنجليز والإسبان على تذكر الأحداث بعد وصفهم لحادث ما وقع أمامهم حيث وقد كان الإسبان أكثرقدرة على تذكر هذه الحوادث لوجود دلالات إضافية للأفعال في لغتهم كذكر مسببات أو الدوافع لكل فعل وهذا ما لا يوجد في اللغة الإنجليزية.

 وهذا يدل على أن الأشخاص الذين يتعلمون لغات أجنبية يفهمون الأشياء ويتذكرونها بطريقة مختلفة عن المعتاد وهذا ما ذكرته عالمة الأعصاب لارا باروديسكي من جامعة كاليفورنيا. و أخيرا إن أردتم إضافة قدرات مختلفة لعقولكم ماعليكم إلا أن تتعلموا لغات جديدة. 


علي الغامدي 





الرابط المختصر :
1 - تعليق بواسطه Eman في Nov 04 2016 22:06:59
جميييل .. مقال في وقته .. يعطيك العافية

اضافة تعليق