رحلة التَّقصي عن عيْنيها الزرقاء

2016-11-12 20:20:14

(مقال أكاديمي)

المستقبل فضاء متناءٍ، هاجس يُسْهد الإنسان السَّوي، يحاول ثقب أستاره لتحديد ملامحه وسط الضباب، ويتحدَّس لاكتشاف حركة حياته وطبائع أيامه. فمِن البشر يسير وفق مشيئة الطبيعة، لا إرادة لهم ولا حراك، ولا حول لهم ولا قوة، يرمق من بعيد حتى يتبدى لهم غبش المستقبل. ومنهم من يتصوَّر أن استبصار خفاياه هي نزعة تُنذِر بضعف الإيمان، فيترك المقادير تسير في أعنتها دون تنبؤ أو حسبان. وثمة بشر يعيش حلم النهضة والحضارة، يستلذ الخطر من أجل التغيير، يدأب لتحديث المفاهيم الفكرية والثقافية، فلا يسأم من كفاح، ولا يسقم من خبو أمل. بيد أن البعض قد يشتطّ في قبة الطموح والمُنى، حتى يتخطى شرعية الزمن، ليصطدم بصخرة الواقع، فتتناثر شظاياه، دون مراعاة للقوانين الحاكمة في حركة الحياة والبشر، فيزوغ عن سنن الله الاجتماعية، ويقفز فوق نواميسه الطبيعية.

 وهو كعادته في لقاءاته، بُعيد تعيينه مديراً للجامعة في عام ١٤٢٨هـ، اعتلى خشبة المسرح في قاعة حمد الجاسر، ليفوه بمشروعه التعليمي النهضوي، بنبرة خطابه الحادة، وبكلمات تُوقد الطاقة الروحية الدفينة في نفوس أهل الطموح. تحدث عبدالله العثمان عن تطلعات جامعة الملك سعود المستقبلية، كاشفاً عن خطة استراتيجية طويلة المدى لمسيرة الجامعة (تسليط الضوء على جامعة الملك سعود دون غيرها لكونها أعرق الجامعات وأكثرها حراكاً آنذاك، فكانت البوصلة الوضّاءة  التي تضيء لكثير من الجامعات 'خاصة النّاشئة' الخارطة الأكاديمية والبحثية). لم يكن هاجس الجامعة مختزلاً على احياء الأنشطة التعليمية وكمية الأبحاث أو عدد براءات الاختراع، بل كان  أكثر ما تتطلع إليه هو كيفية توفر السّبل لمساهمة الجامعة (والجامعات الأخرى) على نقل الاقتصاد السعودي المرتكز على النفط إلى اقتصاد يرتكز على المعرفة من خلال بناء نظام تعليمي وبحثي متميز يستوعب متطلبات القرن الواحد والعشرين؛ لكي يخصِّب للوطن أجيال متعلمة، ومسلحة بأدوات التمكين؛ فتكون قادرة على خلق تنمية مستدامة للأجيال القادمة، ومتضلعة لمجابهة التحديات على المسرح الدولي، خاصةً بعدما تراءت إرهاصات الأزمة في المنطقة بعد أحداث احد عشر سبتمبر.

كان دافع الجامعة لهذا الطموح منبعثاً من مشروع الملك عبدالله بن عبدالعزيز 'رحمه الله'  لتطوير التعليم، ومنسجماً كذلك مع خطة التنمية الثامنة للمملكة العربية السعودية التي تهدف إلى بناء قاعدة وطنية للعلوم والتقنية  بعدما تحتَّم عليها أن تجاري حركة الزمن العالمي نحو الاقتصاد المعرفي. فوق ذلك، كان الوقود الحيوي آنذاك الذي وطّأ السبيل للحراك الجامعي هو الفيض النفطي الذي أنعم الله على بلادنا 'ولله الحمد' ، حيث أن غُمْرة النفط توالت كل سنة، وكل مرة يُعلن عن أضخم ميزانية في تاريخ المملكة. فهذة الوفرة البترولية كان لها قسمة الأسد في إلقاء ظلالها على مؤسسات التعليم العالي باجتياح الجامعات بكلياتها ووكالاتها وأقسامها وهياكلها وبرامجها دون استثناء. فحدث انقلاباً هائلاً في مسار تاريخ جامعة الملك سعود، حيث ألقت لحافها المشدود باتخاذ منحى في تمدد مشاريعها العمرانية، واستحْداث كراسي البحث العلمية، وإنشاء مشاريع الأوقاف ووادي الرياض للتقنية، ومعهد الملك عبدالله لتقنية النانو، وتحوّلت القاعات إلى فصول ذكية، وازداد عدد الأقسام والوكالات، وزخر حجم قبول الطلاب، وغيرها من الإنجازات الظاهرة المبهرة. فتأنَّق هيكل الجامعة، وازدهر أعضاء هيئة التدريس والموظفين، وشاعت النّشوة و الرضى، فتوفرت البدلات، والأجور لساعات العمل الإضافية، وحظوا بحضور المؤتمرات والدورات مرات عدة طوال السنة، وأُنجِزت المشاريع السكنية لهم وغير ذلك من توفر الإمكانيات المادية والمعنوية.

فقبل فترة هذا الرخاء والسعة، كان الافتقار لهذه الإمكانيات داخل حصون الجامعة كالأثقال الجاثمة، تُضجر النفوس  وتُدني الهمة. وبنفس الأوان كان هذا الافتقار ذريعة يُستراح عليه لتبرير الإخفاق في التعليم العالي، والضّمور في التنظيم والتخطيط، والعجز بقيام الأساتذة والموظفين بأدوارهم الطبيعية.

واليوم بعد ما يقارب تسع سنوات على توفر هذه السُّبل والإمكانيات، يحق لنا أن نستحضر العقل لنتساءل من غير إفراط في التوقعات بالقول إن كان حلم الجامعة تحقق في تحويل الاقتصاد السعودي إلى اقتصاد يرتكز على المعرفة واستثمار العقل البشري. بل دعونا نهوِّن التوقعات لنتساءل: هل تحققت اللبِنات الجوهرية في تشييد نظامٍ تعليمي وبحثي متميز يتناغم مع مستوى الإمكانيات والسُّبل التي وُفرت للجامعة؟ هل خريج الجامعة من مختلف الكليات أمسى مسلح بأدوات التمكين من خلال بناء عقله وتنمية قدراته ليتماشى مع صميم أهداف تخصصه؟ هل تحققت كينونة إنسانيته في وجوده الأكاديمي، بتحريره من جهل مصادرة حوار العقل والأفكار، تحفظ رصانته وثقته من خلال تهذيب الأرواح للجميع (الطالب والأستاذ والموظف وغيرهم) بأدوات الروح الحوارية؟ هل الجامعة تآلفَت مع روح المجتمع لتتبوأ الصدارة في عقد المؤتمرات والندوات عندما يعتري الوطن أي أزمة سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية كحال الجامعات في العالم الأول؟ هل التعليم في الجامعة ارتبط بحاجات المجتمع ومتطلبات تنميته لاستدامة شروط حياته؟ أم  ابتُذل ليُختَزل بسوق العمل وفق قانون العرض والطلب؟ أم لا هذا ولا ذاك؟ هل الأطروحات الأكاديمية لطلاب الدراسات العليا وأبحاث الأساتذة موجهة نحو أهم القضايا والتحديات التنموية في كافة المجالات الهَّامة، ومبنية على خطط مسبقة يتم اقرارها من قبل الأقسام، ومتوافقة مع مساق الخطط البحثية للجامعة؟ هل الأهداف أمست تُقاس بجودة النتائج  وليس بتوفر الوسائل؟ هل تحررت الجامعة من هيمنة البيروقراطية ومبادئ التبعية التي كبَّلتها عن استقلال ارادتها وهويتها وممارسة ميولها الطبيعي؟ هل تقنَّنت الحياة الجامعية بشكل عام، وتجلّت قوانينها وفق توازن مطرد، تُمَكِّن الكل يسْبح في فلك حياتها بعدلٍ وتماثل دون زيادة أو نقصان؟ 

لسنا هنا بصدد البحث عن السقْطات، وجلد الذَّات، وتقصّي الزلّات وتضخيمها، لنتّشفى بالحديث عنها. فجامعة الملك سعود ليست نشازاً عن غيرها، وما يعتريها حتماً يعتري الجامعات الأخريات دون استثناء. إذن لنترك الحكم على القارئ للإجابة على هذه الأسئلة.
لكن، والأهم من ذلك، اليوم رسمت وزارة التعليم حلماً مجدداً للمساهمة بتحقيق رؤية ٢٠٣٠ في تطوير الجامعات. فقد حملت هذه الرؤية جملة من الطموحات الملهمة والجذابة، يتوق لها الوطن لملامستها كخطوة لنقل الجامعات إلى مصاف الجامعات العالمية.

 والآن - وقبل أن تغتالنا سرعة الزمان - هل مازلنا نحتاج لعيْنيها الزرقاء (زرقاء اليمامة)؟ نقترضها لنبصر ما يومئ لنا من بعيد، ونكشف عن ما يتضبّب رؤيته بين الغيوم، ونرمق السَّحاب وما يلفه من أدوات وظلال، ليستريح الضمير من الشكوك في مدى قدرة السَّحاب على شق الدروب، بعيداً عن تكرار التجارب والسقوط؛ لتصل  إلى بريق رؤيتها، فتُعايش حلمها المنشود.

لا، لن نحتاج أصلاً إلى مقلّتيها الزرقاء حتى لو عثرنا عليها واقتنيناها. كل ما نفتقر إليه باختصار هو فهم فقه نهضة التعليم العالي فهماً حقيقياً دون أوهام أو غشاوة، واستيعاب مرتكزات نهضته الذي يتكئ عليها. فصحوة حضارة أي جامعة لها أُسسها وشروطها التي يجب أن تشترك  قواسمها مع جميع الجامعات العالمية. فأي خطة  تطوير للجامعات منزوعة من سياق هذه الشروط، سيكون حتماً مآلها الإخفاق والفشل. فنهوض الجامعات ينطلق من فهم مجريات واقع الماضي والحاضر. أي أن الإصلاح يجب أن لا يتجزأ، وأن يكون شاملاً يحتضن جميع الأسس والبُنى العميقة التي تتكئ عليها جميع الجامعات ومؤسسات الدولة دون استثناء. فلا يُقتصر الإصلاح على مواضع ضعف أو خلل معين ويتم تطويرها على حدة. فأي محاولة تطوير في ركن واحد ستبوء قطعاً بالفشل، وتؤول إلى نتائج عكسية تصْحبها تناقضات وتعارض في الأنظمة، وهدر مالي وخسائر جسيمة. فالاستجابة لشروط النهضة تتطلب إلى إعادة النظر في صياغة القواعد والتشريعات التي تنحني عليها الجامعات وجميع مؤسسات الدولة؛ لكي نضمن أن لا تنشطر هذه القواعد ، ثم تَضحى أنظمة الجامعة في جهة والوسائط التي تُسَيَّر لتنفيذ هذه الأنظمة في الجهة المقابلة. ومن هنا تبدأ رحلة النهوض الحقيقية.

والله أسأل أن يبارك في جهود القائمين على تطوير الجامعات وعلى رأسهم وزير التعليم، وأن يثيب كل من أعان أو عمل أو اشترك لبناء نهضة التعليم العالي.


سامي السلمي 
طالب دكتوراه في جامعة بريستول - بريطانيا 

@samisulaiman_





الرابط المختصر :

اضافة تعليق

          
      





رحلة التَّقصي عن عيْنيها الزرقاء
تغريدات MVR