تغريدات MVR

عقلية الوهم

2017-01-09 17:48:58

عقلية الوهم


دخلت مواطنة أمريكية بسيطة تدعى ديانا دايسر إلى أحد المطاعم الصغيرة وعند حصولها على خبز التوست قامت بتحميصه وبعد أول لقمة لاحظت وجود شكل امرأة تكون على الخبز جراء حرق جزء منه. فلما أمعنت النظر وجدت أنها تشبه مريم العذراء فصورتها واحتفظت بهذه القطعة ونشرت صورتها. بعد عدة أيام وصلت مشاهدات الصورة إلى  1.5 مليون مشاهدة وتم زيارتها بواسطة الآلاف من مختلف أنحاء العالم بل منهم من تلى الصلوات أمامها وبعد ذلك تم بيعها بمبلغ 28 ألف دولار أمريكي.

 

 مشاهدة الوجوه على الأشياء كالأكل أو القمر أو السحاب هو نوع من الخداع البصري يسمى (pareidolia) وهو حالة طبيعية . لكن غير الطبيعي هو أن يسافر الآلاف من الناس لزيارتها وتلاوة الصلوات عليها بل وتأويل أسباب ظهورها بوجود عوامل خارقة أو إشارات من عالم الماورائيات .

هذه الأفكار تجد أرضا خصبة لدى عامة الناس والمجتمعات ذات المستوى المعيشي والتعليمي المتدني وهي أكثر خصوبة لدى من يتسمون بفقدان الثقة ويفتقرون للنظرة التحليلة والمنطقية ويكون لها طابع ديني غالبا. الكثير سمع أو مر بهذه الحالة وقليل يعلم عن تفاصيلها رغم أنك لا تكاد تجد شخص إلا وقد أدلى بدلوه وتناول الموضوع من زاوية ما. هنا سأطرح لكم خلاصة ساعات طويلة من البحث والتحليل عن عالم الأوهام سأتناولها من الجانب العلمي البحت وأقصد بذلك علم الأعصاب و علم النفس وذلك لتداخلهما ولن أتطرق للمجالات الأخرى لأني لا أجيد السباحة فيها.

الدماغ عضو ماهر في خداع نفسه عند تكوين معتقدات مخالفة للواقع وهذا ما يعرف لدى الجميع بالوهم فما هو الوهم؟ يعرّفه الفيلسوف نيتشه بأنه ( كل ما ينتجه الإنسان من معتقدات ناتجة عن رغبته اللاشعورية في البقاء حيث تقدم له الأوهام على أنها حقائق ما يكون مصدرها الأفكار فيتم عندها اللجوء إلى الكذب لإخفاء الحقيقة تحت غلاف المنطق). ولكن كيف يحدث ذلك عضويا ؟ يجب أن نعرف أولا كيف يتكون الإدراك ، باختصار هناك ثلاث عناصر لعملية إدراكنا للأشياء من حولنا مرتبة كالتالي 1- المواد المحسوسة 2 – الحاسة 3- مركز الإدراك.  عند مواجهة شيء معين تقوم الحواس بالتقاط معلومات (بصرية مثلا) وتنقله للإدراك ليتم معالجتها بتصنيفها وربطها بقوالب سابقة ثم يتم اتخاذ مفهوم معين حول هذا الشيء ليكون مطابقا للواقع. بدون الإدراك تقوم الحواس بتجميع هذه المعلومات لكن لا يمكن التعرف عليها فعند مشاهدة وجه والدتك مثلا ستشاهد ملامح من الأنف والعينين والشعر لكنك لن تعرف من هي هذه المرأة. في حالة الوهم تتخذ المعلومات المسار المعاكس فيتكون الإدراك المختلط بالخيال أولا وترسل هذه المعلومات عبر الحواس لتشكل الشيء حسب توقعاتنا المسبقة وتعطيه صبغة توافق رغباتنا.

هناك استخدامات حميدة للوهم
وهذا معروف جيدا لدى الأطباء فقد ثبت علميا أن حوالي 30-40 % من المرضى يتم شفاؤهم تماما من أمراض عضوية عند تناولهم أقراص وهمية تسمى (placebo) وهي لاتحمل أي تركيب كيميائي له تأثير عضوي. لكن الذي يحدث هو أن المريض يقتنع بفعالية هذه الأقراص فيرسل الدماغ إشارات إلى العضو المصاب فيزول المرض تماما. على العكس من ذلك هناك تأثير آخر يسمى (nocebo) وفيه يصرح الطبيب بوجود مرض في عضو معين فيتوهم المريض بوجوده فيعاني من نفس الأعراض التي يعاني منها المرضى الحقيقيين رغم عدم وجود أي مرض عضوي.

نشرت أحد الدراسات في مجلة علم الأعصاب عام 2008 أن 40 % من حالات القلق تم شفاءها عند تناولهم أقراص من السكر ظن المصابون أنها عقاقير نفسية حيث قللت من نشاط مايعرف باللوزة (amygdala) في الدماغ وزادت إفراز هرمون السيروتونين الذي المعروف بهرمون السعادة وهذه هي نفس الطريقة التي تعمل بها الأدوية الحقيقية. وهناك عامل آخر ففي دراسة أخرى أجريت عام  2012 تعرف العلماء لأول مرة على الجين المسؤول عن التأثير على مستوى الدوبامين في الفص الصدغي من الدماغ وهذا العامل مهم جدا لتحديد قابلية الناس لهذا التأثير فالدوبامين يلعب دورا هاما في تشكيل التفكير الإنحيازي المخالف للواقع حيث يقوم بجعل تحليلاتك تنحاز لتتوافق مع توقعاتك. وقد وجد الدكتور ديفنسكي الباحث في جامعة نيويورك أن الأطفال الذين تعرضوا للعنف في مراحل حياتهم المبكرة كانوا أكثر عرضة لتكوين هذه الأوهام وذلك بعد أن وجد قصور ملحوظ في الفص الأيمن والفص الصدغي من الدماغ لدى هذه العينة من الناس.

ولكي يصل هذا التأثير إلى أعلى مستوياته يتطلب من المريض أن يثق بالطبيب أولا ويسلمه عقله ليقوم بتكوين قناعاته كما يشاء. وهذا يحدث كثيرا عندما يثق المريض بالمعالج الشعبي أو الراقي مثلا فعند تصريح المعالج بوجود علة ما (مس من الجن مثلا) يصدقها المريض فيصاب أحياناً بنفس أعراض هذه العلة. أما طريقة العلاج فتحدث بتوهم فعالية طريقة العلاج التي تؤدي إلى الشفاء.


 و أخيرا فإن أهم الطرق للقضاء على هذه التوهمات هي بالقضاء على مصدر  تكوين المعتقدات الخاطئة وتهيئة الأفراد لعدم قبول هذه الأفكار.





الرابط المختصر :

اضافة تعليق