تغريدات MVR

مقابلة نادي الطلبة السعوديين في سيدني مع يوسف النملة

2015-06-08 15:58:16

في هذه الأسطر خلاصة المقابلة التي أجراها الأستاذ الفاضل علي بشيري في لقاء "استراحة الجمعة" الذي يُقام مغرب كل جمعة في مسجد الزيتلاند في مدينة سيدني، أرجو أن تجدوا فيها ما يفيدكم.

المحور الأول / شؤون دراسية 
١ - كيف يوفق المبتعث بين ميوله واهتماماته وبين تخصصه الذي أضطُر إليه؟
يستطيع ذلك بتوفيق الله تعالى ثم بلعب الأدوار المختلفة، يلعب دوره مثلاً كمتخصص في الحاسب أو الهندسة أو الطب أو غيرها، وبين ميوله كهاوٍ للعمل التطوعي أو كاتب أو رياضي أو نحوها. يجب أن لا نفترض التعارض ابتداءً، بل نوسّع نظرتنا للأمور من حولنا، ونحاول إدارتها والتوفيق بينها، وهذا يساعدنا الآن ومستقبلاً إن شاء الله؛ لأن الحياة في تطوّر سريع والمسؤوليات تزيد مع تعقيدات الحياة.

٢- كيف يستطيع المبتعث أن يستوعب أنّه عاد طالبًا وقد انقطع عن الدراسة سنين عددًا بسبب الوظيفة؟
كان لي جار سعودي توقّف عن الدراسة لمدة ١٥ سنة، ثم عاد بهمة ونشاط كبيرين، ولم ير الصعوبات بقدر ما كان لديه من تحدٍ للكسل وإرادة أوصلته لما أراد.
مثال آخر، قابلت ذات مرة امرأة أسترالية توقفت عن الدراسة لمدة ٢٠ سنة ثم عادت بكل حماس. الذي أريد أن أوضّحه في هذين النموذجين هو أن التعلّم لا عمر له، نعم هناك صعوبة تواجه المنقطع عن الدراسة مثل صعوبة الحفظ والجلوس لساعات طويلة للقراءة والكتابة خصوصا مع طول مدة الانقطاع، ولكن هذه الصعوبات تتلاشى مع الاستمرار في الدراسة ومع الإرادة الجازمة. 
أيضًا على المبتعث أن يفهم التغيير الكبير الذي حصل في حياته حين انتقل لبلد البعثة، حيث إن الكثير من تفاصيل حياته وكذلك روتينه اليومي وربما بعض عاداته قد تغيّرت، فهنا يستثمر المبتعث هذا التغيّر ويُدخل ضمنه تغيير حياته من موظف إلى طالب. 
أخيرًا، المتعلّم في الكبر قد يملك مهارة أقوى في التحليل لأنه يجمع مع ما يتعلّمه خبرتَه السابقة وتكون دراسته واقعية وليست مجرّد محفوظات، وهذا يخفف بعض الصعوبات التي ذكرتُها قبل.  

٣- ماذا يمكن أن يحقق المبتعث إلى جانب نيله الشهادة؟
كل من سألني: ماذا استفدت من البعثة أقول له: استفدت ٢٠ فائدة، منها الشهادة واللغة! 
يمكن أن يحقق المبتعث إلى جانب الشهادة عادات جديدة تغيّر حياته للأفصل، يستطيع أيضًا أن يُعيد ترتيب أولويات حياته، يستطيع أن يعمّق قناعاته بمبادئه ودينه حين يرى التائهين حوله وهم يبحثون عن الأمن النفسي والاستقرار الروحي، فيقوى عنده الاطمئنان للمستقبل بالتوكّل على الله تعالى. 
يستطيع المبتعث أن يتعلّم أكثر من لغة وليس فقط الإنجليزية، ومن أهم فوائد تعلّم أكثر من لغة تنشيط خلايا الدماغ وتوسيع الثقافة، وعلى مستوى الوظيفة سيجد فرصًا أكثر بإذن الله. 

٤- هناك من يُبتعث لدراسة علوم اللغة العربية أو الإسلامية، كيف تنظر لذلك؟
البعثة بصورة عامة مفيدة وهناك من لا تناسبهم البعثة لظروف خاصة، والابتعاث لدراسة اللغة العربية أو العلوم الإسلامية قد يكون مفيدًا إذا رتّب المبتعث لذلك أهدافًا يخرج بعدها بمستوى من الإبداع وليس فقط الحصول على شهادة.

٥- في اعتقادك هل هناك مستقبل وظيفي واعد يستوعب الأعداد الكبيرة من المبتعثين؟ هناك من يشكك في ذلك !
نعم هناك مستقبل وظيفي واعد للمبتعثين بشرطين: 
التنازل عن شرط مكان الوظيفة
والتنازل عن شرط تحديد وظيفة معيّنة.
إذا كان المبتعث الخريج مرنًا في اختيار مكان الوظيفة، وليس لديه مانع في العمل في شركات صغيرة أو متوسطة فسيجد الوظيفة مباشرة عند رجوعه لبلده، وأنصح كل مبتعث خرّيج أن يبدأ بالعمل مباشرة ولو متطوّعًا ولا ينتظر وظيفة مرموقة في شركة كبيرة معروفة في السوق، بل يبدأ بالعمل ليكسب الخبرة ولا يضيع الوقت في انتظار وظيفة قد لا تحصل. 

المحور الثاني / شؤون اجتماعية
١- هنالك من المبتعثين من يفضّل العزلة عن المجتمع السعودي، ماهي الأسباب والنتائج؟
الأسباب شخصية بحتة، بعضهم يُريد التركيز على الدراسة أوتقوية اللغة أو غيرها من الأسباب، حصل هذا لبعض الإخوة فبالغوا في العزلة عن زملائهم المبتعثين فتعبوا ثم تراجعوا وأصبحوا يخالطون السعوديين بقدر معيّن فارتاحوا وارتاحت زوجاتهم، التوسّط دائمًا مريح. 

٢- ماهي نظرتك للمجتمع غير المسلم؟
هم مشوا وفق سنن الله فتجاوزوا غيرهم ممن يعمل على الهوية ليل نهار ناسيًا النهضة، في المقابل المجتمع غير المسلم الذي يراه المبتعث غارق في النهضة على حساب الهوية واختيارات الفرد، هم 
غارقون في المادة ولا تسمع منهم إلا حديث الدرهم والدولار. يجب علينا كمسلمين أن نأخذ العبرة منهم وأن نسعى جاهدين للحفاظ على الهوية وبناء النهضة و"المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف". 

٣- هل تعتقد أن المبتعثة تواجه تحديات حقيقية في بلد الابتعاث؟ ماهي أبرز هذه التحديات؟
بالتأكيد تواجه تحديات منها:
أسلوب الحياة الجديد، فبعد أن كانت مخدومة أصبحت مسؤولة عن أشياء كثيرة، الدراسة والثقافة الجديدة والأنظمة وغيرها، ولكن رأيي الشخصي بعد الملاحظة هو أن المبتعثات جادات وحريصات على تحقيق أهداف البعثة أكثر من المبتعثين، والآمال المعلّقة على المبتعثة كثيرة جدًا، ولا شك أن تعليم فتاة ينهض بأمّة. 

المحور الثالث / شؤون فكرية وتطوير الذات 
١- كيف يصنع المبتعث ذاته؟
بإضافة قيمة إلى نفسه، وكتبت مقالاً طويلاً حول هذا الموضوع عنوانه: "أضف لنفسك قيمة"، وألخصه هنا بثلاث نقاط:
يستطيع أحدنا أن يضيف قيمة لنفسه إذا:
عرف نفسه، وعرف إلى أين هو ذاهب
إذا استمر في بناء ذاته من دون عجلة ولا مزاجيّة
إذا تعلّم أكثر مما يُعلّم. 

٢- كيف يسوّق المبتعث لنفسه ومكتسباته وانجازاته؟
يصنع الإنجاز الحقيقي أولاً ثم يأتي البيوت من أبوابها، ويتعامل مع وسائل التواصل الاجتماعي بحكمة وبقدر معقول ولا يشارك في كل القضايا فتضيع شخصيته. 
من المفيد للمبتعث بعد أن يصبح قويًا في تخصصه أن يؤلف كتابًا في المجال الذي يُريد أن يُعرف به، فمن تجربة أستطيع أن أقول إن تأليف كتاب مركّز في التخصص وبلغة مفهومة للجميع يُعتبر رسالة نافدة ومؤثرة للتعريف بنفسك، ولكن أنصح بألا يستعجل أحدنا في تأليف الكتاب حتى يرى أنه جمع مادة مفيدة وجديدة وسيقدم فيها الجديد والمفيد وليس فقط تكرارًا لما كتبه غيره.  

٣- ما أثر الصدمة الحضارية على المبتعث في الولاء والانتماء للوطن؟
في البداية ينتقد المبتعث بلده ثم ما يلبث أن تغلبه عاطفة الوطن فيستقر في مرحلة "التكيّف" كما في تصنيف عالم الاجتماع Oberg، الذي صنّف مراحل الصدمة الثقافية إلى أربع مراحل: مرحلة حضانة وظهور أعراض الصدمة، ثم مرحلة الأزمة، ثم مرحلة الشفاء، ثم مرحلة التكيف .
وبعضهم ينتقل للجهة الأخرى فيبدأ بانتقاد بلد الابتعاث وثقافته وأنظمته ويُكيل المديح لوطنه ليل نهار مع المبالغة، وأرى أن عدم الاستعجال في إطلاق الأحكام هو المطلوب، فالصمت والتأمّل وكتابة الخواطر وعدم نشرها تفيد في هذا إن شاء الله وقد تكون مادة علميّة ثمينة ينشرها المبتعث لاحقًا مع النقد والتحليل. 

المحور الرابع / جولة في حرف الضيف المكتوب 
١- كتابك "المبتعث السعودي" يدور حول الذكاء الثقافي ماهي الرسالة التي تود إيصالها؟
الرسالة هي أن فهم الثقافة الجديدة في بلد الابتعاث لا يقل أهمية عن دراسة اللغة ومعرفة الأنظمة وغيرها من الأمور الضروريّة، وتكمن الخطورة في أنه لا يمكن دراسة الثقافة الجديدة كما ندرس اللغة ونحوها فليست مكتوبة في كتاب أو مرجع نقرأه متى ما أردنا أن نعرف تفاصيل الثقافة الجديدة، بل تُكتسب بالخبرة والممارسة والخطأ وتلقّي النصائح من المجرّبين. 
 
٢- أمريكا واستراليا .. أيهما أفضل؟
المسألة مثل "شاورما لحم أو شاورما دجاج" !، أقصد أنها ذوقيات ويصعب تقييمها، لكل إنسان اختياره، وأنصح الجميع بعدم الدخول في مثل هذه القضايا حين يسشارون، فهناك ثلاث قضايا تتعلق بالابتعاث شخصيًا لا أعطي فيها رأيًا صريحًا وهي:
فكرة الابتعاث من الأساس
اختيار التخصص
اختيار الدولة
هذه الثلاث قضايا حساسة جدًا، وتحتاج لدراسة واقع الشخص ومستقبله، وقد تجد من يلومك لاحقا ويعلّق عليك أسباب إخفاقه لأنك قدّمت له نصيحة تتعلق بهذه القضايا الثلاث، فالأسلم أن توضّح الإيجابيات والسلبيات وتعطيه المعلومات ثم يُقرر هو أو هي ويتحمّل بنفسه مسؤولية هذا القرار. 

أخيرًا/
من هو يوسف النملة بعد البعثة ؟
هو نفسه يوسف النملة، المسلم المُحب لوطنه وأهله، مع قناعة أقوى بدينه ومبادئه ولغته العربية؛ لأنه قارن ذلك بما حوله وقت البعثة فوجد أن الإسلام والقرآن واللغة العربية هي الأجمل والأقوى. 
بعد البعثة صار يؤمن بالتعددية أكثر، وصار يُحب المسلمين أكثر، ويحترم البشر أكثر، وصار يُحب وطنه أكثر، وسيحاول أن ينهض ببلده قدر المستطاع لأن بلده يستحق أن يكون الأفضل والأقوى. بعد البعثة قرّر يوسف النملة أن يعيش في الدوائر الأوسع، دائرة الإسلام والإنسانية والحريّة الفردية، وأصبح لا يقف كثيرًا عند الدوائر الصغيرة مثل بعض الاختلافات العقديّة أو الفكريّة داخل الإسلام، وكذلك الاختلافات والاجتهادات الفقهية، بل استقر تفكيره وتحددت أولوياته أكثر، بفضل من الله وتوفيق.





الرابط المختصر :

اضافة تعليق