اقلام MVR

التحليل الإحصائي

 

لماذا الإحصاء في بحوث العلوم الإنسانية والاجتماعية أكثر أهمية من العلوم الطبيعية؟

يمثل التحليل الإحصائي أهمية بالغة في شتّى التخصصات، بوصفه وسيلة تساعد على التثبت من دقة نتائج البحوث وتفسيرها بموضوعية وعلمية أكثر، خاصة في مواضيع البحوث التي تتطلب بيانات رقمية لتفسير الظاهرة، أو تلك التي تهدف لدراسة العلاقات بين المتغيرات كالارتباطية والسببيّة. وهذا حتماً لا يقلل من أهمية البحث النوعي الذي قدم نتائج باهرة في مواضيع البحوث التي تستدعي توظيفه.

لكن ربما لاحظ البعض أن التحليل الإحصائي في بحوث العلوم الطبيعية لا يُنظر إليه بتلك الأهمية أو الاعتبار كما هو الحال في بحوث العلوم الإنسانية والاجتماعية. وتأكيداً لذلك نجد أن بحوث العلوم الطبيعية يُكتفى فيها غالباً باستخدام الإحصاء الوصفي عند تحليل البيانات الذي يهدف لجمع البيانات الرقمية وتنظيمها وتلخيصها بطريقة تسهل قراءتها واستيعابها، كحساب التكرار والمتوسط والانحراف المعياري ونحو ذلك، بخلاف بحوث العلوم الإنسانية التي تتعدى ذلك إلى التحليل المتعمق لتلك البيانات وقراءة ما وراءها للتوصل إلى تفسير علمي عميق متعدد الأبعاد والدلالات، وذلك من خلال توظيف التحليل الاستدلالي المبني على نظرية “الاحتماليّة”، والذي يتطلب استخدام اختبارات إحصائية تمكننا من التوصل إلى استنتاجات لمعرفة مدى احتماليَّة صحة فرضية الدراسة وتعميمها، كاختبارات Factor Analysis, Anova وما يشابهها.

والسبب وراء ذلك يعود إلى اختلاف خصائص كل جانب من العلوم عن الآخر في طبيعة ظواهره وتكوين متغيراته ومدى إدراك الإنسان الحسِّي لحقيقة ظواهره. وهذا الاختلاف في الخصائص انعكس أثره على أسلوب البحث ومنهجيته في كل جانب من العلوم، بما في ذلك طرق تحليل النتائج وتفسيرها ليتماشى مع طبيعة ظواهره.

لذا سأحاول أولاً أن أبرز أهم خصائص كل جانب من العلوم موضحاً ذلك بالأمثلة، ومردفاً بعدها شرحاً يوضح دور الإحصاء في بحوث العلوم الإنسانية والاجتماعية وطريقة قبول ورفص فرضية البحث بناءً على التحليل الاستدلالي.

الثباتيّة:

في مجال العلوم الطبيعية يتعامل الباحث مع الظاهرة أو موضوع بحثه من خلال مواد أو وقائع طبيعية ثابتة ومتطابقة، بحيث يستطيع الباحث تكرار بحثه في الظروف نفسها تماماً، بخلاف الظواهر الإنسانية والاجتماعية التي تعتبر طبيعتها غير ثابتة ومتطابقة ما دامت متعلقة بالإنسان. والسبب أن السُّلوك الإنساني يتغير باستمرار من حال لأخرى في توجهاته وأسبابه ودوافعه ومتغيراته، فهو يتغير بتغير المكان والزمان، وهذا بالطبع يقلل جداً فرصة تكرار البحث بنفس الظروف تماماً.

فعلى سبيل المثال لظاهرة فيزيائية، لو قمنا بتسخين ماءٍ عند درجة حرارة 100 مئوية، سنجد أن الماء يبدأ بالتبخر ومن ثم الغليان. ولو أعدنا إجراء هذه التجربة عدة مرات على أي مكان من سطح الأرض أو في أي زمن كان، فإننا سنجد أن جزيئات الماء الكيميائية (كل جزئ يحتوي على ذرتين هيدروجين وذرة أكسجين) خاضعة لطبيعتها التي تتصف بالاستقرار والتطابق عند كل تجربة نجريها، والتي من خلالها ستقودنا للحصول على النتائج نفسها؛ وهي درجة الغليان الثابتة عند 100 درجة  مئوية.

لكن نجد الحال يختلف كثيراً بالنسبة للعلوم الاجتماعية، فلو أن باحثاً بحث موضوعاً، على سبيل المثال، عن أسباب عزوف الطالبات السعوديات عن الالتحاق بكليات الطب قبل خمسين سنة، فالآراء والتوجهات ستختلف عن الموضوع نفسه لو أُجريَ قبل عشرين سنة، والتي أيضاً ستختلف لو أُجريَ الآن.

الإداراكيّة:

في مجال العلوم الطبيعيّة، يتعامل الباحث مع الظاهرة بوصفها حقيقة مدركة بالحواس. أي إن الظواهر الطبيعية يُمكن إخضاعها لإجراءات الملاحظة والقياس بصورة ماديَّة مباشرة من خلال التجارب المخبريَّة. وهذا الحال يختلف تماماً بالنسبة للعلوم الاجتماعية، حيث إن الباحث يتعامل مع الظاهرة بصورة غير مباشرة أو محسوسة. بمعنى لا يُمكن إخضاع الظواهر الإنسانيَّة للتجارب المخبريَّة كما هو الحال في العلوم الطبيعية. ولذلك يكون تفسير الظاهرة مبنياً على تصورات ومفاهيم مستنتجة من خلال سلوك الإنسان. ولذلك من المنطقي أن يكون تفسير الظواهر الاجتماعية والإنسانية معقداً ما دامَ لايمكن التعامل معها بصورة ماديّة ومباشرة.

فعلى سبيل المثال، لو تناولنا مثالاً لمخ الإنسان تشريحياً ووظيفياً، لوجدنا أن الباحث في العلوم الطبيعية يستطيع دراسته بشكل مباشر ومحسوس من خلال تشريحه أو تصويره عبر الأشعة للوصول إلى حقيقة معينة. بينما وظائف المخ كالذاكرة والانتباه والملاحظة، لا يُمكن التعامل معها بطريقة مباشرة ومحسوسة، وبالتّالي لا يمكن وضعها في ظروف قابلة للضبط الدقيق. بمعنى أن الباحث لا يستطيع تحديد مستوى قوة الذاكرة لشخص ما من خلال تشريح مخه أو تصويره بالأشعة. بل يضطر الباحث في العلوم الإنسانيّة إلى تصميم مقياس على هيئة اختبار يخضع له الشخص، وبناءً على استجاباته السلوكيّة يستنتج الباحث منها رقماً يعطي دلالة تقريبية لمدى قوة ذاكرته إلى حد معين.

السببيّة:

كما ذكرنا سابقاً، إن الظاهرة في العلوم الطبيعية تُدْرك بشكل مباشر وحسّي، وهذا يعني أن متغيراتها تكون واضحة ومحسوسة ما يمكن الباحث من حصرها ووضعها تحت ظروف قابلة للضبط، وبالتالي يسهّل عملية قياسها بدقة عالية جداً وثابتة. وعلى ذلك، يستطيع الباحث في العلوم الطبيعية أن يتوصل إلى علاقة حتمية بين السبب والنتيجة للظواهر. فلو أخذنا مثال غليان الماء المشار إليه سابقاً، فإننا سنلاحظ أن عملية تسخين الماء إلى درجة حرارة 100 مئوية (السبب) أدت إلى تبخر الماء وغليانه (النتيجة). فالسبب وراء هذه الظاهرة مُدرك بشكل مباشر وهو درجة الحرارة، والنتيجة كذلك محسوسة وهي عملية الغليان التي حدثت للماء. فالعلاقة السببية هنا لا تتغير بتغير الزمان والمكان، وبالتّالي يستطيع الباحث أن يُعمّم ما توصل إليه من نتائج ويؤسس على إثرها قانوناً قطعيّاً من ضمن قوانين الظواهر الطبيعية في الكون.

لكن في العلوم الإنسانية والاجتماعية، فإننا لا نجد المعنى نفسه لحتمية السبب والنتيجة. فالعلاقة السببية لا يمكن التوصل لها بشكل مباشر. أي إن السببية في مجال العلوم الطبيعية مطلقة، بينما تكون نسبية في العلوم الإنسانية. والعلّة هي عدم إدراك الإنسان للمتغيرات بشكل مباشر وحسيّ، وبالتالي يصعب قياسها وحصْرها. ولذلك تعتبر متغيرات افتراضية، أي إنه لا يمكن قياسها بتكوينها الذّاتي بل بأثرها أو تأثيرها المتعلق بسلوك الإنسان.

فعلى سبيل المثال، لو افترضنا أن ثمة طريقة معينة (x) لتعلّم اللغة الأجنبية تمكِّن متعلمَها من أن يتحدثها بطلاقة في وقت قصير. ثم أردنا اختبار هذه الفرضيّة، سنجد أنفسنا أمام متغيرات هائلة جداً ومتداخلة ابتداءً من المحتوى اللّغوي أثناء التعلم، وخلفية المتعلّم للغة، وأسلوب التعلم، ومستوى قدراته الذهنية وغيرها. فوق ذلك والأهم، لا يمكن إطلاقاً تصميم مقياس ثابت أو على الأقل دقيق لقياس مستوى الطلاقة اللغوية للمتعلم. بمعنى لا يمكن لنا أن نتوصل إلى علاقة حتمية بأن طريقة تعلم ما (السبب) تقود متعلمي اللغة الثانية للتحدث بطلاقة تامة (النتيجة). وبالتالي فالعلاقة بين السبب والنتيجة هنا تكون احتمالية وليست حتمية، أي إن اختبار الفرضية هو جزء من محاولة واسعة من الدراسات والأبحاث للاقتراب من معرفة الحقيقة. فهي عرضة للتغيير والنقد من وقت لآخر. ولعلَّ أبرزَ مثال على ذلك هو الإطار الزمني الطويل لنظريات اكتساب اللغة التي تجسِّد محاولات من الدراسات والتجارب الحثيثة والتي ما زالت تُجرى حتى الآن سعياً للوصول إلى تفسير حقيقي يشرح ظاهرة عملية اكتساب اللّغة لدى الإنسان.

التحيز:

لو تناولنا مثال طريقة التعلم، لوجدنا أن الباحث يُعتبر جزءاً لا يتجزأ من موضوع البحث. بمعنى أن ميوله الشخصية وتوجهاته ورغباته بما في ذلك مستواه العلمي ستتدخل في تصميم التجربة، وكذلك في طريقة تصميم المقياس واختيار مفرداته ومستوى صعوبتها، ويتعدى ذلك أيضاً إلى تفسير نتائج الدراسة.

ولذا فإن الباحث في العلوم الإنسانية لا يُمكن أن يكون محايداً بوضعية الملاحظ خارج الظاهرة على غرار العلوم الطبيعية التي يمكن فصل الذات فيها عن الظاهرة. فمثال غليان الماء المُشار إليه سابقاً، نجد فيه أن جزيئات الماء وذراته ليس لها مشاعر أو أنها تتأثر بأحاسيس الباحث وتحيزاته الذاتية وانفعلاته. وهذا ما يجعل الباحث في العلوم الطبيعية يقف خارج الظاهرة بشكل حيادي. بمعنى أن تصميم التجربة وتفسير نتائجها يكون مستقلاً عن تدخلات تحيزاته الذاتيه وتوجهاته الشخصية.

وبعد قراءة واستيعاب خصائص كل جانب من العلوم، قد لا يزال القارئ يتساءل: أين يكمن دور وأهمية التحليل الإحصائي عند دراسة الظواهر الإنسانية والاجتماعية؟

لتوضيح ذلك بطريقة مبسَّطة، دعنا نتناول مرة أخرى مثال طريقة التعلم للغة والمشار إليه سابقاً. لو أخذَ باحث  عينة من الطلاب، ينتمون لنفس المدرسة وكذلك من نفس الصف الدراسي، وقام بتوزيعهم إلى مجموعتين. ثم أجرى تجربة معملية عليهم، بحيث المجموعة الأولى خضعت لطريقة تعلم ((x، والتي افترضنا أنها تساعد متعلمي اللغة الثّانية على التحدث بطلاقة وعفوية، بينما المجموعة الثانية خضعت لطريقة التعلم التي عادة ما تُستخدم في الفصول الدراسيّة. وبعد الانتهاء من مرحلة التعلم أثناء التجربة، خضعت كلتا المجموعتين لاختبار يقيس مستوى الطلاقة. وبناءً على النتائج تم حساب المتوسط لكلتيهما، حيث تبيَّن أن متوسط نتائج المجموعة الأولى التي تعرضت لطريقة التعلم ((x أكبر من متوسط نتائج المجموعة الأخرى. فهل هنا نستطيع أن نستنتج أن السبب الوحيد في اختلاف المتوسط بين المجموعتين ناتج عن اختلاف طريقة التعلم؟ ولو افترضنا ذلك، هل يمكننا تعميم نتيجة البحث على جميع الطلاب؟ أم إن الفرق بين المتوسطين ناتج عن عوامل أخرى؟ ولو افترضنا أيضاً أن الباحث حاول ضبط أكبر قدر ممكن من العوامل والمتغيرات التي قد تؤثر على نتائج الدراسة كاختلاف القدرات الذهنية والجنس وتوقيت التعلم ونحوها، هل سيتمكن من ضبط جميع العوامل بدرجة 100% أو قريباً منها وبدقة عالية؟ في الحقيقة لا يمكن ضبط جميع المتغيرات وبدقة عالية في بحوث العلوم الإنسانية. وهذا يعني أن ثمَّ  تبايناً يكون ناتجاً من عوامل غامضة، نتيجة لغياب الإدراك الحسي المباشر للمتغيرات وتداخلها فيما بينها. وهذا النوع من التباين يسمى التباين غير المنتظم  (Unsystematic Variation). وهذا يظهر عندما يتعرض شخص لاختبار ما في وقتين مختلفين خلال اليوم، ثم تكون نتيجة الاختبار مختلفة في كلتا الفترتين.

وعلى هذا الأساس، لا يمكن الاستنتاج بأفضلية طريقة التعلم ( (xإلا بعد إخضاع النتائج للتحليل الاستدلالي من خلال أحد الاختبارات الإحصائية. فدور هذا التحليل هو معرفة حجم هذا التباين بين المجموعتين، وتمييز التباين المنتظم (الناتج من المتغيرات التي تم ضبطها في التجربة) عن التباين غير المنتظم والمقارنة بينهما إحصائياً.

هنا يقوم الباحث أولاً بتحديد قيمة معينة تسمى مستوى الدلالة أو المستوى المعنوي كدرجة فاصلة لقبول أو رفض الفرضية، وعادة ما يكون هذا المستوى يساوي (0,05)؛ أي إن مستوى الشك في نتائج الدراسة (أو احتمال الوقوع في الخطأ) يكون 5% والثقة في صحة النتائج هي 95%، بناءً على ما اتفق عليه علماء الإحصاء (لكن في بعض مواضيع الأبحاث، قد يضطر الباحث لتقليل مستوى الشك إلى 1%  كالتجارب البحثية في مجال الصيدلة). فيتم هنا قبول أو رفض فرضية الدراسة من خلال مقارنة القيمة المحتسبة من التحليل الإحصائي (والتي تسمى القيمة الاحتمالية “(“P-value مع مستوى الدلالة (0,05).  فإذا كانت القيمة الناتجة ل(p-value)  من التحليل الإحصائي هي (0,04) والتي تعتبر أقل من قيمة الدلالة (0.05)، فهذا يعني أن هناك فرقاً إحصائياً معتبراً بين المجموعتين. وبالتالي نستطيع القول أن هناك دليلاً  كافياً لدعم فرضية الدراسة) أي إن طريقة التعلم “x” تساعد متعلمي اللغة الثانية على التحدث بطلاقة). ومعنى القيمة المحتسبة (0,04) هو أننا لو أعدنا هذه التجربة 100 مرة، فإن احتمالية الحصول على النتيجة نفسها هي 96 مرة، واحتمالية نسبة الخطأ في الحصول على نتيجة مختلفة هي أربع مرات.

أما لو كانت القيمة المحتسبة من التحليل الإحصائي هي (70,0)  ففي هذه الحالة، تكون القيمة المحتسبة أكبر من (0.05). وهذا يعني أن الفرق بين المجموعتين غير معتبر إحصائياً. وبالتالي نستنتج عدم توفر دليل كافٍ يدعم صحة الفرضية. ومن ثم لا يمكن لنا أن نعمم نتيجة البحث على جميع متعلمي اللغة.

في الجزء الأخير من المقالة حاولت شرح اختبار الفرضية إحصائياً بطريقة يسهل استيعابها لغير المتخصصين في الإحصاء. أسأل الله أن ينفع بهذه المقالة كل من قرأها.

سامي السلمي 

طالب دكتوراه في جامعة بريستول

محاضر بجامعة الملك سعود
@Alsulmi_Sami

الوسوم
اظهر المزيد

سامي السلمي

طالب دكتوراة في جامعة بريستول محاضر بجامعة الملك سعود

مقالات ذات صلة

رأي واحد على “التحليل الإحصائي”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق