اقلام MVR

التوطين والعنصرية، أزمة (الانسداح) الثقافي!

مقدمة لا بد منها!

بدر العمري

لقد (طفشت) من الكتابة في هذا الموضوع! غير أنني كلما ظننت أنني خرجت بفكرة جديدة للكتابة، خرج علي (عفريت) من الورديين (يناكشني)! وأنا – وأستغفر الله من الكذب مقدما!- ملاك طيب، أمشي على (الحيطة)، وأسأل الله السلامة!

إن كنت لا تعرف عما أتحدث أو عما أعنيه بالورديين، بإمكانك العودة إلى مقالاتي السابقة (لن يصلحوا سقف الفندق يا وطن، نعم عنصري، السعودي في أعين الورديين).

هذه المقالة فيها من التهكم الشيء الكثير، كما أنها مليئة بالحقائق والأرقام التي لطالما حاول الورديون (تطنيشها) ثم يطالبونني بأن أقدم لهم دليلا في مقالاتي بدل ما يسمونه (التجييش العاطفي ضد الأجنبي)! وهي تهمة يحسنون رميها على كل مخالف! لكنني أحسن (الصد والرد)! لا تزعجني تهمهم هذه، لكن (يكسر خاطري) بعض الذين يؤمنون بالقضية مثلي لكنهم مسالمون ولا يجيدون التلاعب بالحقائق كما يفعل غيرهم!

بسم الله نبدأ

*******

لا زالت التهم تنهال علي وعلى كل من يدعم قضية توطين الوظائف في البلد! التهمة الساذجة هي بأننا عنصريون وهم بهذا لا يجيدون التفريق بين المطالبة بالتوطين والمطالبة بمحق الأجنبي والتعنصر ضده! أظن أنني لدواعي أدبية لا أستطيع وصف هذا التفكير بالتفكير المشابه بالصندوق النحاسي الذي يكنز فيه التمر (أظنك تعرف ما أقصد!)، ولكني سأقتصر على المثل العربي (رمتني بدائها وانسلت)! فهم (يتسدحون) ويتشقلبون حين تطالب بتوظيف ابن البلد ويكيلون لك تهم العنصرية، وفي نفس الوقت لا نجد نفس (الانبطاح) والتشقلب حين نتحدث عن الكفاءات الوطنية الباحثة عن عمل لأن المكان مشغول بأجنبي! الآن، هل نستطيع أن نطلق عليهم تهمة العنصرية تجاه ابن البلد؟

******

ولأن الموضوع صعب على بعضهم ولا يستطيع أن يفهم الفرق بين التوطين والعنصرية، سأقتبس أسلوب الحكيم الهندي (بيدبا) في الكتاب الذي ترجمه الفارسي ابن المقفع -رحمه الله- غير أني لن أستخدم الحيوانات في قصتي كيلا أتهم بأنني متحامل على الكائنات المتشاركة معنا على الكوكب الأزرق! (كما تلاحظ عزيزي القارئ أنا أستعين بأسلوب “أجنبي” في مقالي ولا حول ولا قوة إلا بالله).

تخيل معي أن عائلتك تملك مزرعة كبيرة للغاية، ولقلة عددكم وخبرتكم، قررتم أن تتعلموا إدارة هذه المزرعة والعمل بها، وفي نفس الوقت فقد جلبتم عمالا من المزارع المجاورة لتشغيل المزرعة لحين قدرتكم على إدارتها بمفردكم، ففي نهاية المطاف هذه مزرعتكم وأنتم أولى بها وما فيها. على كل حال، مرت السنون، وأصبحتم عائلة كبيرة، ومتعلمة، وماهرة. حينها، طلبتم من عمال المزارع الأخرى العودة لمزارعهم بعد شكرهم على ما قاموا به حيث أنكم قادرون الآن على القيام بالمهام بأنفسكم.

أغلب عمال المزارع الأخرى عادوا إلى مزارعهم وبينكم من الذكريات الجميلة الشيء الكثير، إلا أنكم واجهتم مشكلتين: الأولى، أن بعض العمال شكلوا حزبا خاصا بهم ورفضوا أن يسمحوا لأحد منكم بتعلم تشغيل آلة ما، وكلما جاءهم أحد منكم أشغلوه بتنظيف الحظيرة، ثم يشتكون لكم بأن لا أحد منكم يعرف أسرار هذه الآلة! فعليكم أن تبقوا عليهم وإلا هلكتم! المشكلة الثانية، وبعد أن أصبحتم عائلة كبيرة ومتعلمة، كثير من أبناء وبنات عمومتك لا يجدون عملا في المزرعة لكثرة عمال المزارع الأخرى! وعندما قررت أن تطلب من العمال المغادرة ليعمل أبناء عمك، خرج فريق من عائلتك يتهمك أنك مزارع غير إنساني، وعنصري، ومنغلق! وأنهم هم المزارعون الذين سيفتحون مزرعتهم لعمال المزارع الأخرى بدعوى الانفتاح على الآخر، والقرية العالمية وغيرها من الترهات التي تجتر صبحا ومساء! وعندما تسألهم عما سيجري لمزرعتكم من تبعثر مصادرها للمزارع الأخرى وحال أبناء عمومتك، نظروا إليك باستهتار ثم (جعلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم)!

المشكلة أنهم يرون ماذا حل بمزرعة قريبة منا عندما جلبوا مزارعين آخرين وجعلوهم يديرون البلاد والعباد!!

*****

بعضهم يستعمل حيلة منطقية تسمى (القياس)، مفادها قياس أمريكا وكندا ووضع العمالة الأجنبية فيهما على الوضع في البلد. وهذا -بمصطلح الفقهاء- قياس فاسد. الأسباب كثيرة ويصعب ذكرها لكن أولها أننا لسنا دولة مهاجرين، بل دولة قُطرية ونحن السكان الأصليون للبلاد. ثانيها أننا لسنا بحاجة زيادة سكانية. ثالثها أن التشبيه باطل من ناحية أننا لسنا مستعمرة قضينا فيها على السكان الأصليين وبنينا البلد كمهاجرين! رابعها نظامنا الاقتصادي غير قائم على الضريبة. وغيرها الكثير. قد أفرد مقالا حول هذه النقاط وهذه الإشكاليات.

****

حسب نشرة سوق العمل التي نشرتها هيئة الإحصاء للربع الثالث من العام الماضي، فإن عدد السعوديين في القطاع الخاص التابع لنظام التأمينات الاجتماعية هو مليون وثمانمائة ألف مقابل أكثر من ثمانية ملايين أجنبي!! أكثر من أربعة أضعاف!

المصيبة أن معدل البطالة بين السعوديين في الربع الثالث من العام الماضي هو أكثر من ١٢٪ بينما في القوى الأجنبية هو نصف بالمئة!

دعني (أجلطك أكثر)! نسبة البطالة بين حاملي البكالوريوس السعوديين للأجانب هي ١٨٪ مقابل ثمانية من عشرة(٠.٨) بالمئة! بالنسبة للماجستير فهي ٤.٦٪ مقابل ١.٢٪، أما بالنسبة لحملة الدكتوراه ٣.٢٪ مقابل ١.٨٪ !! إن كنت لا تشعر بغصة في حلقك وأنت تقرأ هذه النسب، فعليك أن تعيد منهج الصف الثالث الابتدائي للرياضيات!

***

في كل يوم يخرج علينا (وردي) جديد، إما كصحفي، أو كاتب رأي، أو مشهور على وسائل التواصل، ليتهمنا كشباب سعودي بالتكاسل و(التسدح) في البيوت ومعاداة الأجنبي! أو آخر يظن أنني حين أطالب بتوطين البلد أنني أنشر فكرا عنصريا! ما يقومون به هو ما سيثير العنصرية بالضرورة وربما ما هو أشد، الشعور بالظلم! الظلم أن لا تستطيع العمل وأنت تطرق كل باب لأن الوظائف متخمة بغير أبناء وطنك وبرواتب مجزية وبخبرات لا تكاد تذكر! والظلم يزداد حين أسمع أصواتا من أبناء بلدي يطالبون كل مواطن عاطل أن يلقم حجرا ولا يشتكي لكيلا يتهم بالعنصرية حين يطلب رزقا حلالا في بلده! أظن أن الوقت قد حان لنقلب الطاولة ونقول لكل (وردي) قول المثقب العبدي:

فإما أن تكون أخي بحق- فأعرف منك غثي من سميني

وألا فاطرحني واتخذني- عدوا أتقيك وتتقيني!

**

همسة

ينسب إلى منصور الفقيه قوله:

يخونُكَ ذو القربى مراراً وربما- وفي لك عند العهدِ من لا تناسبُهُ

ولا خيرَ في قربى لغيركَ نفعُها- ولا في صديقٍ لاتزالُ تعاتبهْ

وحسبُ الفتى من نصحهِ ووفائِه- تمنيه أن يؤذى ويسلمَ صاحبهْ

*

كتبه بدر العمري، مواطن يحب وطنه و(شباب وطنه).
 @BaderAlamri

الوسوم
اظهر المزيد

بدر العمري

بدر العمري، طبيب بالرغبة، وكاتب بالحاجة، وباحث بالشغف. طبيب مبتعث في كندا. مهتم بالبحث الطبي والفلسفة والشأن المجتمعي. قروي حتى النخاع، ومدني حد الثمالة، وبسيط إلى درجة التعقيد!

مقالات ذات صلة

رأيان على “التوطين والعنصرية، أزمة (الانسداح) الثقافي!”

  1. سلمت حبيبي..ماشاء الله عليك درر كالعادة ربي يبارك فيك ويجعلك ذخر لأهلك ووطنك… ويكفيك شر الخلق اجمعين.
    مامتك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق